حمامتي الضائعة

حمامتي الضائعة

في تلك الساعة المتأخرة من الليل حيث كل شيء هادئ كانت تحوم في الجوار حيث النوم كان أبعد من القمر الذي تتأمله تتنقل بين غرفتها و بين فناء البيت
لم تستطع الجلوس كأن هناك شيئا يمنعها الراحة رغم أنها لا تحب السهر و لا تجيد العزف على أوتار الليل لا تتناول القهوة و قليلا ما تتناول الشاي
جلست على طرف الكرسي محتضنة ركبتيها وكأنها راكعة جعلت رأسها يتدلى للأسفل و أطالت الجلوس على تلك الوضعية بعد أن أغلقت كل الأنوار
كان الصداع يشتد و يهدأ و لقد أكمل نصف يوم دون أن يرحل
في تلك الاثناء و هي على نفس الوضعية مغمضة عيناها دخلت لعالم أخر أو لربما فقدت الاحساس بجسدها المنهك كانت الافكار متزاحمة لدرجة النسيان
تجر كل ذكرياتها بشريط أخذ يسحبها لأعماق الماضي
ثلاثون عاما و نفس الجرس يقرع كل صباح تستيقظ حينها بنشاط أغلب الأيام تأخذ بالجري والنط في أنحاء البيت حتى في عمرها هذا
لكن مؤخرا أصبح ما بعد الاستيقاظ امر مرهق
انها طفلة في عمر الشباب ذو روح كساها الشيب
لعل هذا هو ماكانت عليه بالضبط
خلال هذا العمر إمتلاءت بكثير من المشاعر
بكثير من التجارب والصدمات
بكثير من الخيال المتعثر و الأحلام المؤجلة لأجل غير معلوم
لا تزال تنهض تتبع خيوط الأمل المتبوع بجهد لعلها تصل
لكن كثيرا من الاحيان كانت تصل لطريق مسدود
كانت حينها تجلس وتبكي ثم تنام وتستقظ في يوم أخر و محاولة أخرى لكن وكأن هناك قوى لا تعلمها وسبب لا تعلمه يبعد عنها تلك الأحلام
و كأنها قوى تود منها تغير أحلامها
و زرع أحلام أخرى
لكن في أحيان كثيرة لا نرى الحقيقة
و كأن على العينان عشاوة
و يحوم الموت مثل الحمام كل يوم
له موعد لقطف روح ما
روح حلم روح انسان روح حيوان
روح أي شيء يبعث على الحياة
كانت هناك في نهاية ذاك الطريق
ترى كل شيء وتعي كل شيء
و تملك الخيار أيضا
في أن تهب روحها وتدفن جسدها
أو تعود جسدا و روح لطريق آخر
تنهض من جديد وتنفض كل الأحمال
تخرج من شرنقة اليأس لترى الضوء وهو يشرق
لقد فعلت هذا كثيرا إلى أن فقدت ثقتها بهذا العالم
قد تعود لطريق آخر لكنها لن تعود نفس الشخص مرة أخرى
شخص كبر في العمر شخص فقد حيوية تلك الأحلام
فقد الانطلاقة و ربما فقد نفسه في صراعات كثيرة
لكن الأمر الرائع رغم ما حدث
هو أنه في كل طريق تعود فيه كانت بذورها التي زرعت تنبت على جانبي الطريق
وكأن ذلك الجمال يخبرها عن الحياة
يخبرها عن الأمل الذي يخرج في كل زاوية
تلك الفكرة التي راودتها عن الحياة وعن الأحلام
و أنها هي سترحل جزءا جزءا برحيل كل شيء كان يعني لها الحياة
لقد رحلت تلك الاجزاء سريعا وكل الباقي خيط رفيع يفصل الحياة عن الموت
خيط يعلقها في بواقي الحياة داخلها
ذاك الخيط الذي يشرق في قلبها كل صباح
يدعوها لتبتهج لكنها عنيدة لدرجة تسمح للحزن أن يسرق منها يوما أو حقا أياما و أياما من عمرها
تعلم أنها لن تعود و أن الماضي لن يعود و أن مادفنته من أحلامها لن يعود
ربما كان الخطاء فادحا حين دفنت أحلامها في قلبها
فأصبح مسكونا بأشباح الماضي لا تمر صغار الاحلام الجديدة حوله لانها ترحل بمجرد العبور ترحل سريعا دون أن تبقي أثرا
فالعمر يا قوم قد مضى بطريقة أو أخرى
يفقد بريقه بكل ألم وبظروف كثيرة مرت بها

لم تعد طفلة لتقارن نفسها بأخرين
تبدوا كمن فقد الحياة و هو حي ولايزال متمسكا بها

في لحظة فراغ عابرة تحاول نقل جثث أحلامها لكنها لم تستطع فالألم أحيانا يفوق التحمل
كمن يعيش على ذكرى
تعلم أنها بفعلها تجني على نفسها
لكن لم تستطع

الذكريات أمر مرير تقتل الحاضر وهي ميته
لانها تتغذى على أفكار صاحبها
الذكريات تعيش حين لا يكون في الحاضر حياة
وحين يباغت الموت كل جميل
تموت فقط إذا قرر صاحبها عيش الحاضر
لكن ليس الجميع جيد في النسيان
..
تنتهي كل قصة بطريقتها الخاصة
أحيانا نلعب دورا صغير في نهايتنا
ويكون للقدر نصيبا واف
لكن الحقيقة تختلف كثيرا لنفس الحدث ونفس الأمر
تختلف برؤيتنا نحن له قد يرى البعض من الموت حياة ومن الألم قوة تدفع للنهوض
وقد يرى آخرون من الألم حزن يأس وموت فيستسلم غارقا في حزنه
وقد يتنقل آخرون ما بين الأمل و اليأس كتائه في زوقه في المحيط تتلقفه الأمواج ثم تهدأ لا يدري أهو يعود أم يغرق
يستطيع أن يبذل كل جهده ثم يغرق أو يبذله ثم يرجع حيا ويستطيع أن يستسلم ويموت دون أن يصنع شيئا
لكن من الأفضل أن يفعل كل ما بوسعه حتى لو كان الموت سيناله لينال منه وهو شجاع

Advertisements